ابن قيم الجوزية

382

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

سرا ، حيث لا يراه أحد : لم يقتد به أحد . ولم يحصل له سوى تلك العطية ، وأنه إن أعطاه جهرا : اقتدي به واتّبع ، وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية . فجهر له بالعطاء ، وكان الباعث له على الجهر : إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين . فهذه مراءاة محمودة . حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء . وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطين . قوله : « فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة النفس » . يعني أن الخائف يشتغل بحفظ نفسه من العذاب . ففيه عبادة لنفسه . إذ هو متوجه إليها ، وطالب المثوبة متوجه إلى طلب حظ نفسه . وذلك شعبة من عبوديتها والمشاهد للناس في عبادته : فيه شعبة من عبودية نفسه ، إذ هو طالب لتعظيمهم ، وثنائهم ومدحهم . فهذه شعب من شعب عبودية النفس . والأصل الذي هذه الشعب فروعه : هي النفس . فإذا ماتت بالمجاهدة ، والإقبال على اللّه ، والاشتغال به ، ودوام المراقبة له : ماتت هذه الشعب . فلا جرم أن بناء أمر هذه الطائفة على ترك عبادة النفس . وقد علمت أن الخوف وطلب الثواب : ليس من عبادة النفس في شيء . نعم ، التزين بالمراءاة عين عبادة النفس . والكلام في أمر أرفع من هذا . فإن حال المرائي أخسّ ، ونفسه أسقط ، وهمته أدنى من أن يدخل في شأن الصادقين ، ويذكر مع الصالحين . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . قال صاحب المنازل : « الدرجة الثانية : إجراء الخبر على ظاهره . وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها . ولا يتحمل البحث عنها تعسفا . ولا يتكلف لها تأويلا . ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلا . ولا يدعي عليها إدراكا أو توهما » . يشير الشيخ - رحمه اللّه وقدس روحه - بذلك إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها . وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان العامة ، ولا يعني بالعامة الجهال ، بل عامة الأمة ، كما قال مالك رحمه اللّه - وقد سئل عن قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] « كيف استوى ؟ فأطرق مالك . حتى علاه الرّحضاء . ثم قال : الاستواء معلوم ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » . ففرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة . وبين « الكيف » الذي لا يعقله البشر . وهذا الجواب من مالك رضي اللّه عنه شاف ، عام في جميع مسائل الصفات . فمن سأل عن قوله : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 46 ] كيف يسمع ويرى ؟ أجيب بهذا الجواب بعينه . فقيل له : السمع والبصر معلوم ، والكيف غير معقول . وكذلك من سأل عن العلم ، والحياة ، والقدرة ، والإرادة ، والنزول ، والغضب ، والرضى ، والرحمة ، والضحك ، وغير ذلك . فمعانيها كلها مفهومة . وأما كيفيتها : فغير معقولة ، إذ تعقّل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها . فإذا كان ذلك غير معقول للبشر ، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات ؟ .